حملات المقاطعة على وقع حرب غزة… معايير ملتبسة وانفعالية لا تخدم الأهداف

0

بيروت: منذ التهاب الحرب في غزة، تتكثّف الدعوات إلى مقاطعة شركات إسرائيلية أو داعمة لإسرائيل عبر خطاب وأفعال التضامن مع الفلسطينيين، ويمكن تتبّعها بسهولة في المنشورات المتداولة على مواقع التّواصل الاجتماعي. استعادت المقاطعة الاقتصادية نبضها على وجه الخصوص باعتبار العنصر المالي وقودا حيويا للجيش الاسرائيلي في قتل الفلسطينيين.

لنضيّق الصورة، من بين الشركات الأكثر استهدافا، يسلط الجمهور مقاطعته على “ستاربكس” الأميركية. وانتشرت فيديوهات عن فروع الشركة التي هُجرت في قطر والكويت، تحتفي بالأثر السريع. لكن، عند التدقيق في اللوائح الّتي نشرتها حملات المقاطعة الرسميّة، نكتشف أنّ “ستاربكس” غير مدرجة.

 

 

 

في الواقع، كانت الشركة قد حلّت كل شركاتها في الأراضي المحتلّة منذ عام 2003، “بسبب التحديات التشغيلية” التي مرت بها في تلك السوق. وهذا التطور أزالها من لائحة المقاطعة، فقد جاءت الخطوة وسط ضغط عالمي لمقاطعتها، والذي بطبيعة الحال تجنّبت الشركة ذكره. كما تنفي الشركة أنّها قدّمت دعما ماليا لإسرائيل، وكذلك الأمر بالنسبة لمؤسسها هوارد شولتز، علما أنّ الأخير كُرّم مع جموعة قادة أعمال بسبب “عملهم الخيري وخدمة المجتمع”، بجائزة “الذكرى الخمسين لتأسيس صندوق القدس لإسرائيل”، وهي تُمنح لمن ساهم بدعم الاقتصاد الإسرائيلي.

ومجدّدا، عادت “ستاربكس”  إلى موقع الشبهات، بعدما قرّرت مقاضاة نقابة عمّالها الذّين عبّروا عن دعمهم للشعب الفلسطيني، وذلك لأنّهم “يواصلون استخدام اسمنا وشعارنا وملكيتنا الفكرية”، وفق بيانها. إلا أنّ هذه المعطيات تغيب عن الموجة الجماهيرية العارمة في مقاطعة “ستاربكس”.

توضح “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل” في لبنان” لـ”المجلة”، أنّه من غير الممكن لجم كلّ الأخبار التي لا تتحرّى الدقة، غير أنّ  “ستاربكس” من الشركات الاشكالية التي تعيد الحملة النظر في مقاطعتها، لأنّ القرار مبنيّ على بحث متأنٍّ، ويندرج هذه النقاش في إطار خطّة جديدة لمواكبة الحرب على غزّة.

وليس جديدا القول إنّ هذه الاستجابة العربية والعالميّة أيضا، أسّس لها التحشيد المستمرّ حول المقاطعة من خلال “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” (BDS) ذات الامتداد العالمي، كـ”شكل رئيسي من أشكال المقاومة الشعبية الفلسطينية السلمية، وكأهمّ شكل للتضامن العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه”، وتنضوي ضمنها حملات محلية أوّلها “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان” التي انطلقت في 2002 وحفّزت نشوء الحركة العالمية في 2005.

“القضية” لا تكمن في مقاطعة “ستاربكس” أو غيرها من الشركات، إنّما في تقييم هذه المعركة الحقيقيّة في ضوء التفاعلات الشعبيّة التي تلفّ المقاطعة: وعيها، انفعاليتها، والأهداف المحققة وما يهدّد الأهداف وما يساعدها.

لقد بلورت المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل في الأسابيع الأخيرة مشهدا اجتماعيا جديرا بالتفكيك، تتناوله “المجلة” من عدّة حقول مرتبطة بـ”المقاومة” المنشودة.

مَن نُقاطع؟

سؤال مشروع نشرته “حملة مقاطعي داعمي “إسرائيل” في لبنان”، استكمالا لشعارها “قاطعوا ما استطعتم إليه سبيلا” الذي يستفتح فيديو توضيحيّا للشركات المستهدفة.

عضو الحملة الدكتور رامي سلامي يوضح أنّ “معايير علمية تُعتمد للبتّ في مقاطعة الشركات”، ويعدّدها كالتالي:

“أوّلا- إن بنت الشركة مصانع ومراكز أبحاث وتطوير على أرض جرى فيها “تطهير” من الفلسطينيين أو هُجّر منها الفلسطينيون.

ثانيا- إن قامت هذه الشركة العالمية بشراء شركة إسرائيلية أو أسهم في شركات إسرائيلية.

ثالثا- إن قامت الشركة بتقديم دعم مالي مباشر بشكل رسمي لجمعية إسرائيلية أو حدث فني/رياضي/ثقافي إسرائيلي.

رابعا- إن ساهمت الشركة مباشرة في الحرب ضد الفلسطينيين (شركة استخبارات، تكنولوجيا، برمجيات، أسلحة، أي منتج أو خدمة لدعم الجيش الاسرائيلي).

خامسا- إن رعت الشركة أنشطة فنية وثقافية ورياضية في إسرائيل.

سادسا- إن عبّرت الشركة علنا عن دعم إسرائيل.

سابعا- إن روّجت الشركة لفكر الصهيونية أو قادة الصهيونية.

تأثير المقاطعة

يوافق سلامي على أنّ تقييم أثر المقاطعة عامل ضروري في توجيه الجهود وتجديد عزيمة الجماهير، لكنّه أثر مركّب وغير قابل للحصر، بسبب امتداد الحركة ضمن حملات مقاطعة شقيقة حول العالم.

ويشير إلى أنّ تقارير عالميّة وتلك الصادرة عن “حركة المقاطعة العالمية” تعطي لمحة عن نتائج المقاطعة، وهنا أبرزها:

المساهمة في انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر في إسرائيل بنسبة 46 في المئة في عام 2014، وفقا لتقرير للأمم المتحدة. وتتوقع دراسة لمؤسسة “راند” أن تؤدّي حركة المقاطعة إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل “بنسبة 1 إلى 2 في المئة” سنويا على مدى السنوات العشر اللاحقة، في حين يكشف تقرير للبنك الدولي أن صادرات إسرائيل إلى الاقتصاد الفلسطيني انخفضت بنسبة 24 في المئة في الربع الأول من عام 2015.

انسحبت شركة فيوليا الفرنسية بالكامل من المستوطنات بعد أن كلفتها المقاطعة مليارات الدولارات من العقود المفقودة.

أعلنت شركات عالمية كبرى، بما في ذلك Orange وG4S وUnilever عن خطوات “لإنهاء مشاركتها في جرائم إسرائيل”.

 

ويتابع سلامي أنّ الاعتناق الشعبي الذي تشهده المقاطعة اليوم تعبير عن أنّ القضية الفلسطينية لا تزال مركزية بالنسبة إلى الشعوب العربية التي تعاني بغالبيتها أزمات وكوارث محلية، وقد يتعارض أحيانا موقفها مع الموقف السياسي للحكومات.

من ناحيته، يقول باحث وخبير اقتصادي مقيم في فرنسا (فضّل عدم ذكر اسمه) أنّ إدراج نشطاء المقاطعة، بمن فيهم الأكاديميون، على اللائحة السوداء لموقع “كناري ميشن”هو مؤشّر على خوف حقيقي من تمادي المقاطعة، ومحاولة إسرائيلية لفرض آلية ردع ذاتي على النخبة والأكاديميين. ويعمّم الموقع أسماء كلّ مَن يُعتَبر معاديا للسامية أو معاديا لإسرائيل مع التركيز على العاملين في جامعات أميركا الشمالية.

ويضيف أنّ تهديدا هامّا تطرحه المقاطعة في صلب الأسواق الاسرائيلية ضمن أوروبا وأميركا، وطبيعتها اليسارية اليهودية تقلق إسرائيل بشكل أعمق، مستعيدا تجربته في 2008 مع صاحبة سكن طلّابي في فرنسا “حين استقبلتني السيدة، وهي يهوديّة، أحاطتني بقوانين السّكن، وواحدة منها كيف نكشف عن منتج إسرائيلي من خلال الباركود لمقاطعته، لأنّ استهلاك منتج إسرائيلي هو برأيها عمل إجرامي”.

أمّا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة، فيلخصتأثير المقاطعة على مستوى الصادرات، والاستثمارات الأجنبية. والمستويان مرتبطان، فالمقاطعة تدفع بالشركات العالمية  لعدم الاستثمار بسبب تدني الصادرات.

“الفرانشايز”: ماكدونالدز مثالا

 

يرى الخبير الاقتصادي أنّ “المقاطعة” في بلداننا العربيّة ليست دون خسائر محلية “لأنّ المستثمر المحلي اشترى الامتياز التجاري وعوائده تنعكس على الاقتصاد الوطني. ولنأخذ مثلا ماكدونالدز التي وزعت الطعام المجاني للاسرائيليين خلال الأحداث الأخيرة، إن قاطعتها في لبنان سأؤذي الاقتصاد والمستثمرين والعمّال اللبنانيين”.

ويشكل “الامتياز التجاري” (الفرانشايز) أكثر الجوانب جدلية في المقاطعة، فمن ناحية أخرى لا يمنح “الفرانشايز” استقلاليّة تامّة عن الشركة الأم، ويستفيد منها المستثمر المحلي لوقت محدود، وعليه بعد انقضاء المدّة تجديد رسوم الامتياز، وتحصل الشركة الأم على نسبة الأرباح عادة ما تتراوح بين 5 و20 بالمئة.

وفي هذا الإطار، تُعدّ “ماكدونالدز” أكبر امتياز تجاري في العالم، حيث بلغت إيراداتها السنوية أكثر من 23 مليار دولار في عام 2021.

وبدوره، يشير رامي سلامي إلى خطط إستدراكية جاهزة للشركات الرأسمالية الكبرى، فهي تتمتّع بمرونة عالية لاستعادة الأسواق، ومحاولة تبييض السمعة، مستشهدا بـ”ماكدونالدز” بفروعها في السعودية وقطر وتركيا ومصر ولبنان التي أعلنت تبرعها بالأموال لدعم جهود الإغاثة في غزّة.

 

قراءة اجتماعيّة

 

تشترط قوة المقاطعة وتأثيرها، بحسب الخبير الاقتصادي، “تحديد الشركة المستهدفة وطول الأمد”.

ويناقش أنّ تحديد الشركات لا يحرّكه عموما المنطق العقلاني لدى المستهلك العربي، وأنّه يخضع للتبني الأعمى الذي لا يحيله المستهلك للتفكير النقدي، وقد ينطوي على المقاطعة تظهير انتماء لفكر أو جماعة على أسس واهية “في عرف اليساريين في بلداننا، الجميع لا يدخّن مارلبورو لأنّ الشركة أميركية، ولكنهم قد يدخنون سجائر غولواز الفرنسية، في ما التقارب المصلحي بين فرنسا وإسرائيل ليس سرّا ولا جديدا”.

ويشكّك بأن تحافظ المقاطعة على الزخم نفسه في المدى المنظور، فـ”هذا الخطاب يعود مع كلّ أزمة في فلسطين ثمّ ينساه الناس”.

أمّا مدير قسم العلوم الاجتماعية والتواصل في جامعة القديس يوسف، نصري مسرّة، فيبدأ حديثه لـ”المجلة” معرّفا المقاطعة الاستهلاكية كأداة جماعية للتحرك في وجه المؤسسة المستهدفة، ولكن حدّة هذه المقاطعة تبلغ ذورتها حين تتعلق بعوامل سياسية- ثقافية مثل مقاطعة الداعمين لإسرائيل، بخلاف المقاطعة المدفوعة برداءة المنتج أو تدهور الخدمة أو أداء الشركة والتي تكون عابرة وأقل استعصاء.

ويذهب إلى أنّ “المقاطعة” بلورت ثقافة جمعية لأكثرية الشعوب العربية، فهي مجال لتأكيد انضوائها تحت العداوة القصوى لإسرائيل، وهو نزوع راسخ- ومبرّر- عند شعوب تعاني من هذه الاحتلالات والحروب وتواكبها. ويجسّد هذا الموقف أحد محاور “وحدة” الشعوب العربية والمستمدة بشكل كبير من الانتشار الفلسطيني في بلدان المنطقة.

ويشدّد على “التعبئة الإعلامية التي قد تتفوّق في تأثيرها على التدخل العسكريّ. وقد تأخذ البعض إلى أعمال عنف وتخريب تنافي طبيعة المقاطعة السلمية. والملاحظ أنّ رواد مواقع التواصل يُمارس عليهم اليوم ضغط نفسي ويوضعون تحت مجهر الأحكام، فإذا لم يستجب الشخص للمقاطعة يتعرّض للازدراء والتعيير”.

وبالفعل، يستوقف المتابعَ أمران: أوّلا، درجة متقدّمة من الممارسات الفنية التي تذمّ هذه المنتوجات وتنفّر منها، فأعيد تركيبها في ملصقات تمجّد عنصر الدماء ودموية الاسرائيليين. وثانيا، النقر على الوتر الديني- بقدسيته الفائقة- فشُفعت المنشورات باقتباسات من القرآن الكريم مثل “أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميّتا” أو أحكام أخلاقية دينيّة، على نحو “إن شاهدتك جالسا في ستاربكس، فسأنظر إليك مثلما أنظر إلى المفطر في رمضان”.

ويدرج مسرّة الاستجابة الأخيرة للمقاطعة تحت فئة “اتصال الأزمات” (Crisis Communication)، والمعهود عنها نبرة تضامن عالية وذات أثر. وتشهد هذه المرحلة وباء معلوماتيا قد تتخلّله معلومات خاطئة (misinformation) والتي تعبّر بشكل أساسي عن الحالة الراهنة، حيث يروّج المستخدون بسبب اندفاعهم لصور ومنشورات خاطئة بنيّة سليمة ولا تتعمّد إلحاق الضرر بالمقاطعة.

ويتوقّع نصري مسرّة أن تضمر المقاطعة بمرور الوقت “ليس لأنّ الناس سيغيّرون موقفهم من إسرائيل، ولكن بفعل خمود الأحداث، ولأسباب قد تبدو سخيفة ولكن واقعية، كأن يكون المطعم قريبا من المنزل، أو السلعة رخيصة الثمن ومتوفّرة، ولأنّ الناس سينشغلون بأولويات جديدة”.

وماذا الآن؟

يصبّ في مصلحة المقاطعة لإسرائيل عامل خارجيّ هام، على إثر إصدار محكمة النقض الفرنسية في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي حكما بعدم تجريم المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل في إطار دعوة قضائية ضد موقع إلكتروني. والقرار مبنيّ على حكم “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” الصادر في 11 يونيو/ حزيران 2020. وعبر السنوات الثلاث الأخيرة، ساند هذا الحكم الكثير من النشطاء وحملات المقاطعة في دول أوروبية كبرى منحازة لإسرائيل وصارمة في مقاضاة “المعادين للسامية”، أمثال فرنسا نفسها وألمانيا وبريطانيا.

داخليا، تعمل  BDS على إحياء مبدأ “المقاطعة المستهدفة”، والتي تعني “التركيز على عدد محدّد من الشركات المستهدفة الأكثر تواطؤا والأكثر أهمية”، وعمّمت أسماءها.

كما كشفت “حملة مقاطعي داعمي “إسرائيل” في لبنان” أنّها تحضّر لموقعها الإلكتروني الجديد بعد اختراق الموقع القديم، لينطلق مبدئيا في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني. ويرافق الموقع تطبيق سهل الاستخدام، حيث يمكن إدخال اسم المنتج (أو الشركة) فيظهر إن كان مشمولا بالمقاطعة، وشرح حول أسباب المقاطعة أو أسباب سحبه من لائحة المقاطعة.

 أخيرا، من المهم أن يتشكّل لدى مدقّقي المعلومات والمؤسسات الإعلامية المتخصصة وعي أعلى لتحرّي دقة المعلومات ذات الصلة، ولعله سياق مفيد ضمن “الاستجابة العاجلة لمحاربة التضليل عن فلسطين” التي أطلقتها الشبكة العربية لمدققي المعلومات، وهي مسؤولية تقع في ملعب الاعلاميين والنشطاء والمؤثرين، في ظلّ ضعف الثقافة العامّة العربية حول التحقق من المعلومات.

المجلة

7 تشرين الثاني 2023

آخر الأخبار